الجاحظ

122

كتاب البغال

جوفها بيض أبدا ، لأنّها كالبغلة ، فأنا رأيت في جوفها البيض مرارا ، ولكنّه بيض سوء لا يؤكل ، ليس بالعظيم ، ولا يستطيل في البطن كما يستطيل بيض جميع إناث السمك . والشّبّوط جنس يكون ذكرانه أكثر ، فلا يكاد إنسان يقلّ أكله للشبّوط يرى بيض الشّبّوط . فإذا كان إياس يغلط هذا الغلط ، فما ظنّك بمن دونه . وقد يكون هذا الذي نسمعه من اليمانية والقحطانيّة ، ونقرؤه في كتب السّيرة ، قصّ به القصّاص ، وسمروا به عند الملوك . وزعموا أنّ بلقيس بنت ذي مشرح ، وهي ملكة سبأ ، ذكرها اللّه في القرآن ، فقال : وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ ، زعموا أن أمّها جنّيّة ، وأن أباها إنسيّ ، غير أن تلك الجنّيّة ولدت إنسيّة خالصة صرفا بحتا ، ليس فيها شوب ، ولا نزعها عرق ، ولا جذبها شبه ، وأنّها كانت كإحدى نساء الملوك . فاحسب أنّ التناكح يكون بين الجنّ والإنس ، من أين أوجبوا التلاقح ، ونحن نجد الأعرابيّ والشابّ الشّبق ، بنيكان الناقة والبقرة والعنز والنعجة ، وأجناسا كثيرة ، فيفرغون نطفهم في أفواه أرحامها ، ولم نر ولا سمعنا على طول الدهر ، وكثرة هذا العمل الذي يكون من السّفهاء ، ألقح منها شيء من هذه الأجناس ، والأجناس على حالهم من لحم ودم ، ومن النّطف خلقوا . وأصل الإنسان من طين ، والجانّ خلق من نار السّموم ، فشبه ما بين الجنّ والإنس ، أبعد من شبه ما بين الإنسان والقرد . وكان ينبغي للقردة أن تلقح من الإنسان . ومن العجب أنّهم يزعمون أنّما تصرع المرأة لأنّ واحدا من الجنّ